كتبت: فاطمة يونس
تطرح الكاتبة منال خيرت في مقالها تأملًا فلسفيًا عميقًا حول مصير الأشياء التي لم تبلغ غايتها، وكيف يتعامل العالم معها بمنطق الإدانة لا التقدير. تستعرض الكاتبة سلسلة من الاستعارات التي تجسد مأساة الناقص والمبتور، بدءًا من الإعلان الرديء على هامش الطريق، مرورًا بالسيجارة التي أُشعلت من طرفها الخطأ، وصولًا إلى المقطوعة الموسيقية التي باغت الموت عازفها قبل تمامها.
استعارات للنقص والاستهلاك
تشبه الكاتبة الأشياء غير المكتملة بإعلان رديء يعبره المارة دون انتباه، وبمقعد متهالك على شاطئ مزدحم يحتل موضعًا استراتيجيًا دون أن يغير حضوره أو غيابه شيئًا في المشهد. كما تستحضر صورة السيجارة التي أفسدها سوء الاستعمال فلعنها صاحبها وألقى بها، ثم أشعل أخرى دون أن يتساءل عن العطب: هل في السيجارة أم في اليد التي لم تُحسن الإمساك؟
الموت يقطع اللحن قبل منتهاه
في استعارة مؤثرة، تصف الكاتبة مقطوعة ابتدأها عازفها بلحن شجي، وانحنى على أوتاره يودع فيها ما عجز عن قوله، فباغته الموت قبل بلوغ المنتهى. اختلطت أنغامها الأخيرة بنشاز مبتور، وسُجلت على نغمتها الناقصة حكاية حياة وموت، ولم تعد تُستدعى إلا في مواسم التأبين حين يبحث الآخرون عن موسيقى تليق بغياب أصحابها.
سحابة سوداء وشجرة خذلت المرتحل
تمضي الكاتبة في رسم صور للنهايات المبتورة: سحابة شديدة السواد تحمل خفة الاسم وثقل المعنى، تُرهب من تُلقي بظلها عليهم فلا يرجون منها مطرًا ولا حياة، بل سلامة تخلصهم من وطأتها. وشجرة استظل بظلها مُرتحل أنهكه الطريق، فهز جذعها رجاء ثمرة تقيم أوده، فما أسقطت عليه إلا أمرّها وأردأها، فنهض عنها تاركًا جذعًا لا يعرف إن كان قد خذله أم أن عطبه كان أعمق من أن تبصره عين عابرة.
منطقة رمادية لا ينصفها الاكتمال ولا يرحمها النقص
تخلص الكاتبة إلى أن كل الأشياء التي لم تكتمل - كنصوص نفد حبر أصحابها في منتصف جملة بديعة - تظل معلقة عند حافة المعنى، في منطقة رمادية لا ينصفها الاكتمال ولا يرحمها النقص. تُطاردها سطوة النهاية المبتورة، وتُلاحقها وصمة اللافائدة، ويُحاكمها العالم بما لم تبلغه لا بما احتوته.
أصالة الجوهر لا تكفي دون غاية
ترى الكاتبة أن النبل الذي لا يفضي إلى غاية، والجمال الذي لا يترك أثرًا، والمحاولات التي لا تبلغ نهاياتها، كلها أشياء قابلة للإدانة لمجرد أنها لم تُحسن الوصول. قد لا يُهزم الشيء لرداءته، ولا يُطرح جانبًا لافتقاره إلى الجمال، بل لأنه لم يبلغ الصورة التي انتظرها منه الآخرون، فيُترك على قارعة الحياة ناقصًا في أعينهم، مستهلكًا في حساباتهم.
ألم الاحتفاظ بالقيمة دون اعتراف
تختتم الكاتبة مقالها بملاحظة موجعة: "أكثر ما يُوجع الأشياء ليس أن تفقد قيمتها، بل أن تظل محتفظة بها في جوهرها، بينما يمضي العالم من حولها كأنه لم ير فيها شيئًا يستحق الالتفات".



